ابن كثير بداية ونهاية عام (103/105)2016

الموضوع في 'منتدى السيرة النبوية , قصص الانبياء' بواسطة براءة الورد, بتاريخ ‏26 نوفمبر 2015.


  1. ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَمِائَةٍ
    فِيهَا عَزَلَ أَمِيرُ الْعِرَاقِ - وَهُوَ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ - سَعِيدًا الْمُلَقَّبُ خُذَيْنَةَ , عَنْ نِيَابَةِ خُرَاسَانَ وَوَلَّى عَلَيْهَا سَعِيدَ بْنَ عَمْرٍو الْحَرَشِيَّ , بِإِذْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ
    وَكَانَ سَعِيدٌ هَذَا مِنَ الْأَبْطَالِ الْمَشْهُورِينَ , انْزَعَجَ لَهُ التُّرْكُ , وَخَافُوهُ خَوْفًا شَدِيدًا , وَتَقَهْقَرُوا مِنْ بِلَادِ الصُّغْدِ إِلَى مَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ بِلَادِ الصِّينِ وَغَيْرِهَا .
    وَفِيهَا جَمَعَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ بَيْنَ إِمْرَةِ الْمَدِينَةِ وَإِمْرَةِ مَكَّةَ
    وَوَلَّى عَبْدَ الْوَاحِدِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ النَّضْرِيَّ نِيَابَةَ الطَّائِفِ .
    وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا أَمِيرُ الْحَرَمَيْنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ . وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .

    مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ
    عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ الْهِلَالِيُّ , أَبُو مُحَمَّدٍ الْقَاصُّ الْمَدَنِيُّ
    مَوْلَى مَيْمُونَةَ , وَهُوَ أَخُو سُلَيْمَانَ , وَعَبْدِ اللَّهِ , وَعَبْدِ الْمَلِكِ , وَكُلٌّ مِنْهُمْ تَابِعِيٌّ .

    مُجَاهِدُ بْنُ جَبْرٍ الْمَكِّيُّ , أَبُو الْحَجَّاجِ الْقُرَشِيُّ الْمَخْزُومِيُّ
    مَوْلَى السَّائِبِ بْنِ أَبِي السَّائِبِ الْمَخْزُومِيِّ
    أَحَدُ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ وَالْمُفَسِّرِينَ
    كَانَ مِنْ أَخِصَّاءِ أَصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ
    وَكَانَ أَعْلَمَ أَهْلِ زَمَانِهِ بِالتَّفْسِيرِ , حَتَّى قِيلَ : إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُرِيدُ بِالْعِلْمِ وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا مُجَاهِدٌ , وَعَطَاءٌ , وَطَاوُسٌ .
    وَقَالَ مُجَاهِدٌ : أَخَذَ ابْنُ عُمَرَ بِرِكَابِي وَقَالَ : وَدِدْتُ أَنَّ ابْنِي سَالِمًا وَغُلَامِي نَافِعًا يَحْفَظَانِ حِفْظَكَ .
    وَقَالَ مُجَاهِدٌ : عَرَضْتُ الْقُرْآنَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مَرَّتَيْنِ , أَقِفُهُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ , وَأَسْأَلُهُ عَنْهَا .
    مَاتَ مُجَاهِدٌ وَهُوَ سَاجِدٌ , وَقَدْ جَاوَزَ الثَّمَانِينَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

    مُصْعَبُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ
    تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ جَلِيلُ الْقَدْرِ .

    مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ
    كَانَ يُلَقَّبُ بِالْمَهْدِيِّ لِصَلَاحِهِ
    كَانَ تَابِعِيًّا جَلِيلَ الْقَدْرِ , مِنْ سَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ , رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى .
    ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ
    فِيهَا قَاتَلَ سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْحَرَشِيُّ نَائِبُ خُرَاسَانَ أَهْلَ الصُّغْدِ , وَحَاصَرَ أَهْلَ خُجَنْدَةَ , وَقَتَلَ خَلْقًا كَثِيرًا , وَأَخَذَ أَمْوَالًا جَزِيلَةً , وَأَسَرَ رَقِيقًا كَثِيرًا جِدًّا , وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ
    فَوَجَدَ عَلَيْهِ ( غضب ) أَمِيرُ الْعِرَاقِ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ إِذْ لَمْ يَكْتُبْ إِلَيْهِ , فَيَكْتُبَ هُوَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ , لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي وَلَّاهُ .
    وَفِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا عَزَلَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ إِمْرَةِ الْحَرَمَيْنِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ , وَكَانَ سَبَبُهُ أَنَّهُ خَطَبَ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْحُسَيْنِ
    فَامْتَنَعَتْ مِنْ قَبُولِ ذَلِكَ
    فَأَلَحَّ عَلَيْهَا وَتَوَعَّدَهَا
    فَأَرْسَلَتْ إِلَى يَزِيدَ تَشْكُوهُ إِلَيْهِ
    فَبَعَثَ إِلَى عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّضْرِيِّ نَائِبِ الطَّائِفِ , فَوَلَّاهُ الْمَدِينَةَ , وَأَنْ يَضْرِبَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الضَّحَّاكِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى فِرَاشِهِ بِدِمَشْقَ , وَأَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ
    فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ رَكِبَ إِلَى دِمَشْقَ , فَاسْتَجَارَ بِمَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ
    فَدَخَلَ عَلَى أَخِيهِ فَقَالَ : إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً .
    فَقَالَ : كُلُّ حَاجَةٍ تَقُولُهَا فَهِيَ لَكَ , إِلَّا أَنْ تَكُونَ ابْنَ الضَّحَّاكِ .
    فَقَالَ : هُوَ وَاللَّهِ حَاجَتِي .
    فَقَالَ : وَاللَّهِ لَا أَقْبَلُهَا وَلَا أَعْفُو عَنْهُ . فَرَدَّهُ يَزِيدُ إِلَى الْمَدِينَةِ
    فَتَسَلَّمَهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ , فَضَرَبَهُ وَأَخَذَ مَالَهُ , حَتَّى تَرَكَهُ فِي جُبَّةِ صُوفٍ , فَسَأَلَ النَّاسَ بِالْمَدِينَةِ ( تسوَّل ) وَكَانَ قَدْ بَاشَرَ نِيَابَةَ الْمَدِينَةِ ثَلَاثَ سِنِينَ وَأَشْهُرًا
    وَكَانَ الزُّهْرِيُّ قَدْ أَشَارَ عَلَيْهِ بِرَأْيٍ سَدِيدٍ , وَهُوَ أَنْ يَسْأَلَ الْعُلَمَاءَ إِذَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ أَمْرٌ
    فَلَمْ يَقْبَلْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنَ الضَّحَّاكِ , وَلَمْ يَفْعَلْ
    فَأَبْغَضَهُ النَّاسُ , وَذَمَّهُ الشُّعَرَاءُ , ثُمَّ كَانَ هَذَا آخِرَ أَمْرِهِ .
    ذكر وكيع الضبي في أخبار القضاة ج1ص141
    عَنْ عَبْدِ الواحد بْن أبي عون قال: لما ولي الوليد بْن عَبْد الملك ، استعمل عُمَر بْن عَبْد العزيز على المدينة، ثم عزله، واستعمل عُثْمَان بْن حيان المُرِّي، فاستقْضى أبا بكر بْن مُحَمَّد بْن حزم
    وكانت وُلاة البلدان إليهم القضاء، يولُّون من أرادوا، وكان لا يركب القاضي مركباً، ولا يذهب في حاجة إِلَّا استأذن أميرَ البلد لأن يُطيِّب له الرِّزق ( يطلب منه إجازة ، كي يكون غيابه عن عمله حلالا )
    فأتى أَبُو بكر بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حزم إلى عُثْمَانَ بْن حيان صبيحة ثلاث وعشرين من شهر رمضان، وعنده أيوب بْن سلمة المخزومي؛ وكان بينهما شيء ( بين ابن حزم والمخزومي )
    فَقَالَ ابن حزم لعثمان بن حيان : أصلح الله الأمير؛ إني أريد أن أحيي هذه الليلة، فإن رأيت أن تأذن لي في التصبُّح ( النوم في الصباح ) غداً فعلتَ
    فقال: افعل راشداً
    فلما قام أَبُو بكر قَالَ: أيوب بْن سلمة لعثمان: إنه والله ما به إحياء ليلته، وما أراد إِلَّا أن يرائيك ( ينافق لك لتظن أنه خاشع عابد )
    فقال: دعه ، والله لئن لم يبكِّر بالناس لأضربنه مائة سوط
    قَال أيوب: فانصرفتُ وقد نِلت من أبي بكر حاجتي ( شفيت غليلي ) قال : وكان له عدواً ، فبكَّرت إِلَى مسجد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل طلوع الفجر ، فإذا السَّمع ( الصوت ) في دار مروان ؛ فقلت لنفسي: أترى المرِّي باكَرَ أبا بكر بالضرب ؟ ، فدخلت الدار ؛ فإذا أَبُو بكر بْن حزم في مجلس المُرِّي ، والمري بين يديه ، والحداد يَضرب القيود في رجل المري
    وإذا الوليد بْن عَبْد الملك قد مات ، وصار الأمر إِلَى سليمان بْن عَبْد الملك ، فكتب إِلَى أبي بكر بْن حزم بولايته على المدينة ، ويأمره بشدِّ عُثْمَان بن حيان في الحديد
    فلما رآني ابن حزمٍ قال : يا ابْن سلمة :
    ولّوا على أدبارهم كُشُفاً ... والأمرُ يَحدثُ بعدَهُ الأمرُ
    فلما أصبح ابن حزم ، دعا بقوارير فيها شراب من بيت ابن حيان ؛ فَقَالَ لقوم عنده : ما هَذَا ؟
    قالوا : الخمر
    قال : كنت تشرب من هَذَا ؟
    فقال عثمان بن حيان : نعم
    فضربه الحد
    وجاء عَبْد اللهِ بْن عَمْرو بْن عُثْمَان بن عفان بالبينة أنه قَالَ لَهُ : يا لوطي
    فضربه ابن حزم حدًّا آخر .
    قال: وولَّى يزيد بْن عَبْد الملك على المدينة عَبْد الرحمن بْن الضحاك بْن قيس
    وخرج عُثْمَان بْن حيان مع مسلمة بْن عَبْد الملك حين قُتل يزيد بن المهلب ، وحمل رأسه إِلَى يزيد بن عبد الملك
    فقال له يزيد : ما تحب أن أفعل بك ؟ ( أكافئك )
    قال: تُقِيدني من ابن حزم
    قال: لا أقدر على ذلك، ولكني أُوَلِّيك المدينة
    قال : إذاً يقال: ضربه في سلطانه، ولكن اكتب إِلَى عَبْدِ الرحمن بْن الضحاك: أما بعد، فإذا جاءك كتابي، فانظر فيما ضَرب ابنُ حزم عُثْمَانَ بْن حيان؛ فإن كان ضربه في أمرٍ بيِّن فلا تلتفت إليه، وإن كان في أمرٍ مُشْكلٍ يُختلف فِيْهِ ، فأمض الحد أيضاً، وإن كان لا يُختلف فِيْهِ ، فأقده منه ؛
    فقدم ابن حيان بالكتاب على عَبْد الرحمن
    فرمى به؛ قال: وأيُّ شيء حَمْل ما لا ينفعك ؟ ما ضربك إِلَّا في أحد هذين
    فَقَالَ لَهُ عثمان : إنك إن أردت أن تُحسنَ أحسنتَ
    قال: الآن أصبت المطلب؛ فأرسل إِلَى أبي بكر، فلم يسأله عَن شيء، وضربه حدَّيْن
    وانصرف عُثْمَان بْن حيان يقول: لا والله ما قربت النِّسَاء منذ يوم ضربني ابن حزم إِلَى يومي هَذَا
    ثم عُزل ابن الضحاك ، وأُغرم أربعين ألف دينار ، فَأُتِي به إِلَى دار ابن حزم ( أمر الأمير الجديد أن يأخذوا ابن الضحاك إلى دار ابن حزم ، ويقول له : إن كان هذا ظلمك أخذنا بثأرك منه )
    فنهى ابن حزم ( أولاده ) أن يعرضوا له بحرف يكرهه ، وأمر له بها ( أعطاه ابن حزم أربعين ألفا بدل التي أُخذت منه ) وغير ذلك مما يحتاج إليه.
    فكان ابن الضحاك بعدُ يذكر ما صنع بابن حزم ، وما صنع به ابن حزم ، ويتعجب.
    وَفِيهَا عَزَلَ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ , سَعِيدَ بْنَ عَمْرٍو الْحَرَشِيَّ , وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَخِفُّ بِأَمْرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ , فَلَمَّا عَزَلَهُ أَحْضَرَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ , وَعَاقَبَهُ , وَأَخَذَ مِنْهُ أَمْوَالًا كَثِيرَةً , وَأَمَرَ بِقَتْلِهِ , ثُمَّ عَفَا عَنْهُ
    وَوَلَّى عَلَى خُرَاسَانَ مُسْلِمَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ أَسْلَمَ بْنِ زُرْعَةَ الْكِلَابِيَّ
    فَسَارَ إِلَيْهَا , فَاسْتَخْلَصَ أَمْوَالًا كَانَتْ مُنْكَسِرَةً فِي أَيَّامِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو الْحَرَشِيَّ .
    وَفِيهَا غَزَا الْجَرَّاحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيُّ نَائِبُ إِرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ أَرْضَ التُّرْكِ , فَفَتَحَ بَلَنْجَرَ وَهَزَمَ التُّرْكَ , وَغَرَّقَهُمْ وَذَرَارِيَّهُمْ فِي الْمَاءِ , وَسَبَى مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا , وَافْتَتَحَ عَامَّةَ الْحُصُونِ الَّتِي تَلِي بَلَنْجَرَ , وَأَجْلَى عَامَّةَ أَهْلِهَا .
    وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّضْرِيُّ أَمِيرُ الْحَرَمَيْنِ وَالطَّائِفِ
    وَعَلَى نِيَابَةِ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ
    وَنَائِبُهُ عَلَى خُرَاسَانَ مُسْلِمُ بْنُ سَعِيدٍ يَوْمَئِذٍ .
    وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وُلِدَ أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ , وَهُوَ الْمُلَقَّبُ بِالسَّفَّاحِ ، أَوَّلُ خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ , وَقَدْ بَايَعَ أَبَاهُ فِي الْبَاطِنِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ .

    مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ :
    عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ
    لَهُ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ عَنْ أَبِيهِ وَغَيْرِهِ
    وَهُوَ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ , ثِقَةٌ مَشْهُورٌ .

    عَامِرُ بْنُ شَرَاحِيلَ الشَّعْبِيُّ

    وَأَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ
    تَوَلَّى قَضَاءَ الْكُوفَةِ قَبْلَ الشَّعْبِيِّ , فَإِنَّ الشَّعْبِيَّ تَوَلَّى فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , وَاسْتَمَرَّ إِلَى أَنْ مَاتَ , وَأَمَّا أَبُو بُرْدَةَ فَإِنَّهُ كَانَ قَاضِيًا فِي زَمَنِ الْحَجَّاجِ , ثُمَّ عَزَلَهُ الْحَجَّاجُ وَوَلَّى أَخَاهُ أَبَا بَكْرٍ
    وَكَانَ أَبُو بُرْدَةَ فَقِيهًا حَافِظًا عَالِمًا , لَهُ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ .
    ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَمِائَةٍ
    فِيهَا غَزَا الْجَرَّاحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيُّ بِلَادَ اللَّانِ , وَفَتَحَ حُصُونًا كَثِيرَةً , وَبِلَادًا مُتَّسِعَةَ الْأَكْنَافِ مِنْ وَرَاءِ بَلَنْجَرَ , وَأَصَابَ غَنَائِمَ جَمَّةً , وَسَبَى خَلْقًا مِنْ أَوْلَادِ الْأَتْرَاكِ .
    وَفِيهَا غَزَا مُسْلِمُ بْنُ سَعِيدٍ بِلَادَ التُّرْكِ , وَحَاصَرَ مَدِينَةً عَظِيمَةً مِنْ بِلَادِ الصُّغْدِ
    فَصَالَحَهُ مَلِكُهَا عَلَى مَالٍ كَثِيرٍ يَحْمِلُهُ إِلَيْهِ .
    وَفِيهَا غَزَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بِلَادَ الرُّومِ , فَبَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ سِرِّيَّةً أَلْفَ فَارِسٍ ، فَأُصِيبُوا جَمِيعًا .
    وَفِيهَا لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ شَعْبَانَ مِنْهَا تُوَفِّيَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بِإرْبِدَ مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ , يَوْمَ الْجُمُعَةِ .
    وَهَذِهِ تَرْجَمَتُهُ :
    هُوَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ
    أَبُو خَالِدٍ الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ , وَأُمُّهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ .
    بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , يَوْمَ الْجُمُعَةِ , فِي رَجَبٍ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى وَمِائَةٍ , بِعَهْدٍ مِنْ أَخِيهِ سُلَيْمَانَ .
    وعَنِ ابْنِ جَابِرٍ قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ مَكْحُولٍ إِذْ أَقْبَلَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ , فَهَمَمْنَا أَنْ نُوَسِّعَ لَهُ
    فَقَالَ مَكْحُولٌ : دَعُوهُ يَجْلِسُ حَيْثُ انْتَهَى بِهِ الْمَجْلِسُ , يَتَعَلَّمُ التَّوَاضُعَ .
    وَقَدْ كَانَ يَزِيدُ هَذَا يُكْثِرُ مِنْ مُجَالَسَةِ الْعُلَمَاءِ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ الْخِلَافَةَ , فَلَمَّا وَلِيَ عَزَمَ أَنْ يَتَأَسَّى بِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ
    فَمَا تَرَكَهُ قُرَنَاءُ السُّوءِ , وَحَسَّنُوا لَهُ الظُّلْمَ
    قَالَ عَبْد الرَّحْمَنِ بْن زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : لَمَّا وَلِيَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ : سِيرُوا بِسِيرَةِ عُمَرَ . فَمَكَثَ كَذَلِكَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً
    فَأُتِيَ بِأَرْبَعِينَ شَيْخًا , فَشَهِدُوا لَهُ أَنَّهُ مَا عَلَى الْخُلَفَاءِ مِنْ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ .
    وَقَدِ اتَّهَمَهُ بَعْضُهُمْ فِي الدِّينِ , وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ , إِنَّمَا ذَاكَ وَلَدُهُ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ كَمَا سَيَأْتِي , أَمَّا هَذَا فَمَا كَانَ بِهِ بَأْسٌ
    وَقَدْ كَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : أَمَّا بَعْدُ , فَإِنِّي لَا أُرَانِي إِلَّا لِمَا بِي ( أراني سأموت ) وَمَا أَرَى الْأَمْرَ إِلَّا سَيُفْضِي إِلَيْكَ , فَاللَّهَ اللَّهَ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنَّكَ عَمَّا قَلِيلٍ مَيِّتٌ , فَتَدَعُ الدُّنْيَا لِمَنْ لَا يَحْمَدُكَ , وَتُفْضِي إِلَى مَنْ لَا يَعْذُرُكَ , وَالسَّلَامُ .
    وَكَتَبَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى أَخِيهِ هِشَامٍ : أَمَّا بَعْدُ , فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ بَلَغَهُ أَنَّكَ اسْتَبْطَأْتَ حَيَاتَهُ , وَتَمَنَّيْتَ وَفَاتَهُ , وَرُمْتَ الْخِلَافَةَ .
    فَكَتَبَ إِلَيْهِ هِشَامٌ : جَعَلَ اللَّهُ يَوْمِي قَبْلَ يَوْمِكَ , وَوَلَدِي قَبْلَ وَلَدِكَ , فَلَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ بَعْدَكَ .
    وَقَدْ كَانَ يَزِيدُ هَذَا يُحِبُّ حَظِيَّةً مِنْ حَظَايَاهُ يُقَالُ لَهَا : حَبَّابَةُ , وَاسْمُهَا الْعَالِيَةُ , وَكَانَتْ جَمِيلَةً جِدًّا , وَكَانَ قَدِ اشْتَرَاهَا فِي زَمَنِ أَخِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِينَارٍ , مِنْ عُثْمَانَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ
    فَقَالَ أَخُوهُ سُلَيْمَانُ : لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَحْجُرَ عَلَى يَزِيدَ .
    فَبَاعَهَا يَزِيدُ
    فَلَمَّا أَفْضَتْ إِلَيْهِ الْخِلَافَةُ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ سَعْدَةُ يَوْمًا : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , هَلْ بَقِيَ فِي نَفْسِكَ مَنْ أَمْرِ الدُّنْيَا شَيْءٌ ؟
    قَالَ : نَعَمْ , حَبَّابَةُ .
    فَبَعَثَتِ امْرَأَتُهُ فَاشْتَرَتْهَا لَهُ وَلَبَّسَتْهَا وَصَنَّعَتْهَا وَأَجْلَسَتْهَا مِنْ وَرَاءِ السِّتَارَةِ , وَقَالَتْ لَهُ أَيْضًا : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , هَلْ بَقِيَ فِي نَفْسِكَ مِنَ الدُّنْيَا شَيْءٌ ؟
    قَالَ : أَوَمَا أَخْبَرْتُكِ ؟
    فَقَالَتْ : هَذِهِ حَبَّابَةُ ، وَأَبْرَزَتْهَا لَهُ , وَأَخْلَتْهُ بِهَا , وَتَرَكَتْهُ وَإِيَّاهَا , فَحَظِيَتِ الْجَارِيَةُ عِنْدَهُ , وَكَذَلِكَ زَوْجَتُهُ أَيْضًا
    فَقَالَ يَوْمًا : أَشْتَهِي أَنْ أَخْلُوَ بِحَبَّابَةَ فِي قَصْرٍ مُدَّةً مِنَ الدَّهْرِ لَا يَكُونُ عِنْدَنَا أَحَدٌ . فَفَعَلَ ذَلِكَ , وَجَمَعَهَا إِلَيْهِ فِي قَصْرٍ , فَبَيْنَمَا هُوَ مَعَهَا عَلَى أَسَرِّ حَالٍ وَأَنْعَمِ بَالٍ , إِذْ رَمَاهَا بِحَبَّةِ رُمَّانٍ - وَيُرْوَى : بِعِنَبَةٍ - فِي فَمِهَا وَهِيَ تَضْحَكُ , فَشَرِقَتْ بِهَا فَمَاتَتْ
    فَمَكَثَ أَيَّامًا يُقَبِّلُهَا وَيَرْشُفُهَا وَهِيَ مَيِّتَةٌ , حَتَّى أَنْتَنَتْ وَجَيَّفَتْ , فَأَمَرَ بِدَفْنِهَا , فَلَمَّا دَفَنَهَا أَقَامَ أَيَّامًا عِنْدَ قَبْرِهَا هَائِمًا , ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَنْزِلِ , ثُمَّ عَادَ إِلَى قَبْرِهَا , فَوَقَفَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ :
    فَإِنْ تَسْلُ عَنْكِ النَّفْسُ أَوْ تَدَعِ الصَّبَا . . . فَبِالْيَأْسِ تَسْلُو عَنْكِ لَا بِالتَّجَلُّدِ
    وَكُلُّ خَلِيلٍ زَارَنِي فَهُوَ قَائِلٌ . . . مِنْ أَجْلِكِ هَذَا هَامَةُ الْيَوْمِ أَوْ غَدِ
    ثُمَّ رَجَعَ , فَمَا خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ حَتَّى خُرِجَ بِنَعْشِهِ , وَكَانَ مَرَضُهُ بِالسُّلِّ , وَذَلِكَ بِالسَّوَادِ ، سَوَادِ الْأُرْدُنِّ , يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ , أَعْنِي سَنَةَ خَمْسٍ وَمِائَةٍ .
    وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ أَرْبَعَ سِنِينَ , وَكَانَ عُمْرُهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً
    وَكَانَ طَوِيلًا , جَسِيمًا , أَبْيَضَ , مُدَوَّرَ الْوَجْهِ , أَفْقَمَ الْفَمِ , لَمْ يَشِبْ .
    وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ , وَعُمْرُهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةٍ
    وَحُمِلَ عَلَى أَعْنَاقِ الرِّجَالِ حَتَّى دَفُنِ بَيْنَ بَابِ الْجَابِيَةِ وَبَابِ الصَّغِيرِ بِدِمَشْقَ ,
    وَكَانَ قَدْ عَهِدَ يَزِيدُ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ لِأَخِيهِ هِشَامٍ , وَمِنْ بَعْدِهِ لِوَلَدِهِ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ
    فَبَايَعَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِهِ هِشَامًا .
     

مشاركة هذه الصفحة